تمويل وخصخصة مؤسسات التعليم العالي (الجامعات مثالاً)
ا.د. هاني عبيد
إتُخذ إنشاء الجامعات في الدول النامية مساراً مختلفاً عن مثيلاتها في أمريكة وأوروبة. تم إنشاء الجامعات في أمريكة وأوروبة بداية من قبل المؤسسات الكنسية والجمعيات الإجتماعية والخيرية، ولذلك، كان الطالب يدفع كلفة تعليمه، ولذلك، كان هذا التعليم متاحاً للأغنياء والطبقة الأرستقراطية فقط (حتى بداية القرن العشرين كان أقل من 4% من الشباب يدخلون الجامعات). أما في الدول النامية فقد كانت هذه مهمة الدولة بعد الإستقلال، وبالتالي كان تمويل هذه الجامعات من قبل الحكومات الوطنية وبأقساط رمزية لإتاحة المجال أمام أبناء الطبقة الفقيرة للحصول على تعليم عالٍ. لذلك، كان المُتحِكم بسياسة الجامعة هي الدولة بالرغم من إدعائها بأنها تدعم الحرية الأكاديمية واستقلال الجامعات.
لقد تغير الوضع بزيادة إعداد الطلاب وعدم تمكن الجامعات الحكومية من استيعابهم، وترافق ذلك مع شح في الدعم المالي الحكومي للجامعات مما اضطرها إلى اللجوء لوسائل عدة لزيادة قدرتها المالية لمجابهة أعبائها العديدة. ومع إنتشار مفهوم العولمة ليشمل كافة مناحي النشاط الإنساني دخل القطاع الخاص مجال الإستثمار في التعليم العالي عن طريق إنشاء الجامعات الخاصة، وشجعت الحكومات هذا التوجه للتخفيف من الأعباء الملقاة عليها، ومن ضمنها توفير التعليم العالي لمواطينيها. أي بعبارة أخرى، تم تخصيص جزء من منظومة التعليم العالي. وفي هذا المجال يحضرني تصريح لرئيس جامعة كاليفورنيا عندما قال: “ليس المال هو أصل كل الشرور ولكنه أصل قسم منها”.
إن مفهوم خصخصة التعليم العالي هو مفهوم غامض تبعاً للهدف منه. فالقطاع الخاص والإستثماري منه يفهم الخصخصة بإنها إتاحة المجال لرأسمال للدخول في مجال التعليم العالي عن طريق إنشاء الجامعات والمعاهد وتقديم هذه الخدمة مقابل رسوم جامعية تغطي التكاليف وتتيح ربحاً على رأسمال المدفوع. ونتيجة لذلك، ظهرت في كثير من الدول – وخاصة النامية – جامعات ومعاهد تعليم عالٍ ربحية. وقد بينت تجارب كثير من الدول إن السيد الذي يدفع للزمار هو من يحدد نوعية العزف، أي بعبارة أخرى، إذا كان مالك الجامعة شخص أو عائلة معينة فهم من يحددون السياسة العامة للجامعة بالرغم من وجود القوانين والأنظمة والرقابة لأن رأسمال له طرقه ووسائله الخاصة في تنفيذ سياساته. من هنا، نجد إن إنشاء الجامعات الخاصة لم يأتِ من باب توسيع الخيارات أمام الناس في مجال التعليم والمعرفة، بل جاء لجشع رأسمال في إيجاد مجالات لزيادة أرباحه (في عصر الرأسمالية المتوحشة)، وترافق ذلك مع إقتحام هذا الرأسمال مجال الصحة العامة (الإستثمار في المستشفيات). إن إتاحة المجال لرأسمال في الإستثمار في مجالي الصحة والتعليم يعني تخلي الدولة عن أهم مسؤلياتها تجاه مواطينيها، وبالتالي يصبح السياسي رهينة للتاجر ورأسمال.
إن خصخصة التعليم العالي الذي نقصده في هذا المقال هو ذلك النشاط الذي يهدف إلى تعويض نقص التمويل في الجامعات غير الربحية Non-profit universities أو إيجاد مصادر تمويل لمبانٍ جديدة أو مراكز أبحاث أو أجهزة ومعدات. ورغم مساهمة الطلاب في تكلفة التعليم في هذه الجامعات عن طريق دفع الأقساط الجامعية الاّ أن فكرة تحقيق أرباح كانت عملية غير أخلاقية في مفهوم هذه الجامعات.
أصبح المصدر المهم للتمويل لهذه الجامعات يأتي عن طريق المؤسسات الصناعية والإنتاجية حيث حدث تعاون وتكامل معها برغم أن بعض الأكاديمين حذروا من فقدان هذه الجامعات لحرية البحث العلمي والذي أصبح غالباً موجهاً لما تطلبه الصناعة، مما أثر على مسار البحوث في مجال العلوم الأساسية (الرياضيات والفيزياء) والتي لا تظهر نتائجها المادية فوراً.
لقد حققت هذه الجامعات (الحكومية والخاصة غير الربحية) مراتب متقدمة في معايير التصنيفات العالمية للجامعات. فمن إستعراض المراتب ال 500 الأولى للجامعات العالمية لكل من أمريكا وبريطانيا واليابان لم نجد أية جامعة خاصة ربحية في هذه المراكز (عدا عن جامعتين في اليابان وهما: جامعة نيهون Nihon University والتي تأسست عام 1889 وكان ترتيبها رقم 415 وجامعة جينتيندو Juntendo University والتي تأسست عام 1838 وكان ترتيبها رقم 498). إن المراتب الأولى في التصنيفات العالمية احتلتها الجامعات الخاصة غير الربحية. ففي الولايات المتحدة الامريكية فإن سبع جامعات غير ربحية جاءت في المراكز العشرة الأولى وكانت ضمن هذه المجموعة جامعة حكومية واحدة هي جامعة كاليفورنيا – بيركلي. والأمر مختلف في بريطانيا حيث كانت 11 جامعة حكومية ضمن أول 100 جامعة في التصنيف العالمي. أما اليابان فقد كانت فقد كانت 12 جامعة ضمن أول 300 جامعة وبينهم جامعة واحدة خاصة غير ربحية وهي جامعة كيو Keio University والتي تأسست عام 1858 وكان ترتيبها رقم 285.
من هنا نستنج أن خصخصة التعليم العالي تعني وبوضوح ضرورة إنشاء وتشجيع الجامعات الخاصة غير الربحية وزيادة الدعم للجامعات الحكومية لأن ذلك هو الطريق الذي سلكته أمم قبلنا وأدى إلى مخرجات تعليم تناسب أسواق العمل وتتمتع بتنافسية جيدة. أما الجامعات الخاصة الربحية فهي تشكل الملاذ لمن لم يسعفه الحظ في دخول الجامعات الحكومية والخاصة غير الربحية وبالتالي تساهم بدور في نظام التعليم العالي. لكل من هذه الجامعات دور تؤديه في المجتمع، وفقط لتكون الصورة واضحة نورد إحصائية لجامعات ومعاهد التعليم العالي في امريكا (عام 2002): بلغ عدد مؤسسات التعليم العالي الحكومية Public 2099 وعدد الخاصة غير الربحية 1941 والخاصة الربحية 324، أما عدد الطلاب فكان: حوالي 12 مليون في الجامعات الحكومية وحوالي 3 ملايين في الخاصة غير الربحية وحوالي 300 ألف في الخاصة الربحية.
