التعليم والتدريب والانتاجية
ا.د. هاني عبيد
تميز العالم بعد الثورة الصناعية بانه عالم متغير بسبب سرعة استخدام العلوم في خلق تكنولوجيات جديدة موجهة الى رفاهية الانسان في الدرجة الأولى دون الانتباة الى الاستغلال الشرس لموارد الأرض. كان تغييراً في المعرفة والتفكير والسلوكيات والتي نتجت عن استنباط وسائل انتاج لم تكن معروفة سابقاً والتي أدت الى انماطٍ اجتماعية جديدة. كان عصر النهضة يالنسبة الى الانسان الاوروبي هو عصر العلم والعقل وتضمن إعادة ترتيب الهياكل الادارية والسياسية والثقافية بطريقة عقلانية للتخلص من الخرافات والظلم واساطير الجهل. كان هذا العصر بالنسبة الى المهندسين إعادة التفكير بالتكنولوجيات التقليدية لإغراض عقلنتها وجعلها أقرب الى الكمال والفعالية.
يعاني التعليم العالي – في الأردن والعالم- اليوم من مشاكل عديدة وأمراض مزمنة، فما زال التعليم الجامعي نمطياً وتقليدياً وكلاسيكياً. فهو نمطي لانه يسير بسكون ، وتقليدي لانه يكرر ما درسه المدرسون عندما كانوا طلاباً، وكلاسيكي لانه لا يتقبل التغيير.
رغم السمات العامة لمشاكل التعليم الجامعي إلاّ أن التعليم الجامعي في مجال الهندسة له خصائص ينفرد فيها لكونه على علاقة مباشرة بالانتاج والذي يتطلب دوماً تكنولوجيات جديدة ليستطيع المنافسة في عالم شديد التعقيد والتداخل.
منذ بداية تأسيس المدارس والكليات الهندسية كان هدف التدريس استخدام الرياضيات والعلوم في حل المشاكل التكنولوجية، وإذا كان هذا المدخل مناسباً في السابق إلاّ انه الآن لا يتناسب ومستوى التطور في حل مشاكل المجتمع وما تواجهه البشرية من معضلات ناتجة عن عقود من التطور المتوحش والذي أدى الى بروز مشاكل بيئية تهدد سلامة العيش الآمن على كوكب الأرض. ومن هنا فإن التحدي يكمن في خلق وتصميم برامج هندسية تتشكل حول فهم متطلبات البشر المستقبلية من الناحية الاجتماعية ومحاولة تلبية حاجات الانسان في إطار من التطور العقلاني. ولحل هذه المشاكل لاتكفي العقلانية العلمية بل يتطلب الأمر عقلانية إدارية وقانونية وإقتصادية.
تربع المهندسون لسنوات طويلة على عرش محمي، فكانوا المبدعين للحلول العملية لتحديات الانسان، وكانت أرائهم غير قابلة للنقاش في مجتمع ينظر اليهم نظرة تبجيل وتفخيم باعتبار ما تبدع ايديهم من وسائل انتاجية تساهم في زيادة رفاهية الانسان. لكن الأمر تغير الآن فأصبح الرأي العام لا يتقبل الأمر دون نقاش الآراء الهندسية كحكم خبراء، وهكذا فإن المهندس اليوم لا بد أن يكون لديه أساس صلب في العلوم الأساسية والمفاهيم التكنولوجية وعلى رأس هذه العلوم الحذر من التطورات الجارية في المجتمع والتي له القدرة أن يحكم اجتماعياً على الحلول الهندسية المناسبة لها.
كمثال على ما سبق هذا الجدال حول الطاقة النووية. كان يتمحور الجدال سابقاً حول الطاقة النووية من الناحية الفنية ومقارنة تكلفة إنتاج الكهرباء بواسطتها مع إنتاج الكهرباء من مصادر أخرى (تقليدية في معظمها) وجدوى هذا الانتاج. وأضيف الى الدوافع مسألة استمرارية (ضمانية) تدفق انتاج الكهرباء وعامل تخفيض انبعاث غازات الدفيئة التي أصبحت أحدى المشاكل التي تواجه البشرية. وحتى لو تم أخذ عامل الأمان بعين الاعتبار فقد فشل المهندسون في فهم الطابع الاجتماعي للخطورة من أن قسم كبير من الناس لا يمكنهم تقبل عامل الخطورة هذا ولو أنه ضئيل وبذلك فقد ذهبت أدراج الرياح كل المحاولات الفنية والهندسية لتقليل الخطورة وزيادة ضمانية التشغيل.
إن إحدى المشاكل التي يحتدم النقاش حولها هي محتوى البرامج الهندسية وهل يكفي أن تكون برامج معرفية؟ وبرغم أهمية هذه البرامج ومحتواها المعرفي إلاّ أن إعداد المهندسين في المعاهد والجامعات للعمل في عالم متغير حيث يصبح التعليم المعرفي أقل أهمية مقارنة مع تعليم المهندس اساليب ومهارات جمع المعرفة والمعلومات، وتنمية المواقف والاتجاهات الريادية. ويجب أن تستند البرامج الهندسية الى تنظيم رؤية شاملة وفهم عميق لعملية التنمية البشرية الشاملة على كافة المستويات.
أن السؤال الجوهري في مجال البرامج الهندسية يتعلق بمدى مؤائمة هذه البرامج لاهداف التنمية في البلد المعني، ولتحقيق ذلك لا بد أن ننطلق من التعريف المعاصر للمهندس وهو الشخص القادر على دراسة البدائل واختيار البديل الأفضل. من هنا فإن البرامج الهندسية تهدف الى تدريبه على مهارات إتخاذ القرار وتحليل النتائج.
من الاشكاليات المتعلقة بتطوير التعليم الهندسي في الجامعات هي كفية تعليم الطالب التفكير الابداعي والخلاق؟ هل البيئة الجامعية ملائمة لمثل هذا الاتجاه في التعليم، وكيف يمكن التوفيق بين ما هو مطلوب في هذا المجال والاستثمار التجاري الذي أصبح أحد سمات التعليم الجامعي في السنوات الأخيرة؟ لقد بينت الدراسات المتعلقة بمستوى التعليم الجامعي أن هذا المستوى قد انحدر في الدول التي سمحت بدخول رأسمال للاستثمار في هذا المجال حيث أحجمت هذه الدول عن دعم التعليم الجامعي. إن المثال الواضح هو التعليم الجامعي في بريطانيا حيث فقدت الجامعات الدعم الحكومي وبالتالي أصبح قبول الطلاب أقل تشدداً من السابق بسبب الصعوبات المالية التي تعاني منها الجامعات. أما الدول التي ما زالت تدعم التعليم الجامعي فان مستويات هذا التعليم لا زالت مقبولة (المانيا وفرنسا والدول الاسكندنافية والنمسا).
إن البيئة التي يتحرك فيها المهندس حديث التخرج هي بيئة تحتدم فيها المنافسة، وتتنافس أعداد كبيرة من المهندسين حول كل فرصة عمل تتحقق، وبالتالي فليس هناك مكان إلاّ للمهندس الذي لديه كم معرفي حديث ويمتلك مهارات التحليل والتركيب في المجال الهندسي. وهذه البيئة التنافسية الكبيرة تشكل أحد أهم التحديات التي تواجه الجامعات الآن، حيث تطفو على السطح وبقوة مشكلة تحضير البرامج الهندسية. إن الهدف الطموح والكبير يتمثل في الموائمة بين هذه البرامج ومتطلبات سوق العمل والذي بطبيعته متغير واتجاهاته المستقبلية غير معروفة بدقة. وتؤدي هذه الاشكالية الى تحدٍ مؤلم للجامعات، فما أن تستثمر هذه الجامعات في تخصصات جديدة (والتي تتطلب الى جانب الاستثمار المالي فترات زمنية) حتى يغير السوق من اتجاهاته ويتغير الطلب تبعاً لقوانين السوق.
إن التحدي الآخر الذي تواجهه الجامعات في مجال إعداد البرامج الهندسية يتمثل في سرعة تطبيق الافكار الجدبدة في التكنولوجيا، فإذا كانت الافكار العلمية تحتاج الى سنوات لتصبح تطبيقاتها متاحة للجمهور بسعر مقبول فإن هذه الأفكار الجديدة لا تحتاج الى أكثر من شهور معدودة لتصبح تطبيقاتها متاحة. وفي هذا المجال فإن الجامعات لا تستطيع المنافسة مع القطاع الصناعي في مجالي البحث والتطوير، حيث تخصص الشركات العملاقة ملايين بل بلايين الدولارات للبحوث العلمية.إن أحد الاقتراحات والتي قد تكون مقبولة من القطاع الصناعي هو تشكيل تحالفات علمية في مجال البحوث بين الجامعات والشركات الصناعية، ولكن هذه العملية تحتاج الى تطوير الأطر القانونية التي تحمي الطرفين لاحقاً عند الاستثمار الصناعي والتجاري للأفكار الجديدة.
لا يعني ما سبق أن الجامعات والمعاهد الهندسية قد فقدت دورها في إعداد المهندسين، لا بل أن هذا الدور بحاجة الى إعادة صياغة ليتوائم مع متطلبات العصر الجديدة. لا زالت هذه الجامعات تمتلك ميزة مهمة وهي تتعلق بالاستثمار بقوة في مجال التدريب الهندسي، وهذا المجال تتعطش له الشركات الكبرى لانه يشكل رافداً مهماً من روافد العنصر االبشري الذي تحتاجه هذه الشركات.
في عالم اليوم فإن مصدر الثروة هي المعرفة، وهذه المعرفة تأتي عن طريق التعليم الجامعي والتدريب. فالتعلسم الجامعي يقدم المعرفة ويستخدمها في استنباط مهمات جديدة تؤدي الى الابتكار والتجديد، بينما التدريب يقدم المعرفة التي يتم استخدامها في مهمات نعرف كيف ننفذها وذلك لغرض زيادة الانتاجية. ولننظر ماذا فعلت اليابان والنمور الاسيوية في هذا المجال. لقد تبنوا الابتكار الامريكي في الحرب العالمية الثانية والذي أسمه التدريب والذي مكن الامريكان خلال الحرب من تغيير عمال ما قبل الصناعة وغير المهرة الى عمال منتجين وبفعالية عالية. إستطاعت هذه الدول أن تحول عمالها الى قوة عمل مدربة ومؤهلة وبأجور منخفضة مقارنة بأجور العمالة في الدول الصناعية حيث استطاعت أن تنافس في الاسواق العالمية. إن المنفعة الكبرى للتدريب لا تتمثل في تعليم الجديد بل في كيفية القيام بالمهمات التي نعرفها بطريقة أفضل.
ستواجه الأمة ركوداً اقتصادياً إذا لم ترفع انتاجية المعرفة، والآن لم تعد الانتاجية مسؤولية الدولة أو الحكومة عن طريق السياسات والتشريع بل أصبحت مسؤولية المدراء التنفيذيين والجامعات في مجتمع المعرفة. ويتطلب مجنمع المعرفة في زيادة الانتاجية للتنافس في الاسواق العالمية وهذا يتطلب تعليماً مستمراً وتدريباً عملياً. لم يعد كافياً إعادة تصميم المهمات وتدريب الفنيين على كيفية تنفيذ هذه المهمات بل ايجاد طرق ووسائل جديدة ومبتكرة في كيفية تنفيذ هذه المهمات.
لقد تزايدت نسبة قيمة عنصر المعرفة في عناصر تكاليف انتاج الوحدات الجديدة، فبينما كانت نسبة المواد الخام تساوي 50% من تكلفة السيارة التقليدية في عام 1920، نجد انها أصبحت الآن بحدود 12% كمواد خام وطاقة بينما تزايدت قيمة المعرفة العلمية والهندسية.
يقطف النجاح في هذا العالم المتغير وشديد التعقيد أولئك الذين يتمتعون بسرعة الحركة لاغتنام الفرص المتاحة في عالم التنافس المفرط والذي يتطلب تعديلاً سريعاً في الانتاج وسرعة الابتكار التكنولوجي. وهذا العالم يقدم فرصة ذهبية لاولئك الاشخاص الذين يستطيعون التعبير عن أفكارهم الخلاقة بوضوح وسرعة ويكافئ من يتمكن من اختبار وتطبيق طرق جديدة في تنفيذ الاعمال لاقتناص الفرص الجديدة.
وأخيراً أقول أن المعرفة ليست كافية إذا لم يتم استخدامها، والرغبة غير كافية إذا لم تترافق مع العمل.
