Prof. Hani Obeid

The social impact of technology

الأثر الاجتماعي للتكنولوجيا

ا.د. هاني عبيد

يتميز العصر الذي نعيش فيه بزيادة اعتمادنا على التكنولوجيا في جميع مناحي الحياة، حيث دخل استخدام هذه التكنولوجيا البيت والمكتب والمدرسة، في المدينة والريف والصحراء. ليس غريباً أن ترى الشخص –مهما كان مستواه العلمي والحضاري- يستخدم الهاتف الخليوي في التقاط وارسال الصور واستخدام التطبيقات المختلفة في تبادل المعومات والأخبار والصور.

لقد غيرت التكنولوجيا الحديثة حياتنا اليومية في الاطار الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، وخاصة، كان التأثير كبيراً في فئة الشباب. فالجميع ملتصق بالأجهزة الرقمية من هواتف ذكية وأجهزة كمبيوتر، ولا تكاد هذه الأجهزة تفارقهم حتى أن بعضهم يضعها بجانبه على السريرعندما ينام.

ففي المجال الاجتماعي، أصبح التواصل الفعلي بين العائلات أقل من السابق، حيث حلّت المكالمات الهاتفية والرسائل النصية مكان هذا التواصل، وهذا بالضرورة يؤدي الى تغير في مفاهيم الترابط العائلي والتماسك المبني على المساعدة والعون. اما في المجال الاقتصادي، فإن الأجيال الجديدة تلتحق بسوق العمل، حيث أن متطلبات الحياة في إزدياد ولتلبيها لا بد من توافر الامكانيات المادية التي لا يستطيع الفرد الواحد في العائلة تأمينها لجميع أفراد العائلة، وبالتالي فإن افراد العائلة يسعون الى الالتحاق بسوق العمل لتأمين هذه المتطلبات. ويتمثل التغير في الجانب الثقافي بانتشار الكتب الرقمية والصحف والمجلات الالكترونية بدل الورقية وهذا أثر على أساليب الكتابة والتعبير.

عندما يتم استخدام تطبيقات التكنولوجيا في الحياة اليومية، فإن هذا الاستخدام يؤثر في البيئة الاجتماعية ويتأثر بها. فالتكنولوجيا لها بيئة حاضنة لها، وإذا لم تتوفر هذه البيئة الحاضنة المناسبة، يصبح استخدام هذه التكنولوجيا وباءً يدفع ثمنه المجتمع.

إن السؤال المحير في مجتمعات الدول النامية يتعلق بموقف هذه المجتمعات من الأفكار والتكنولوجيا. فبينما نجد أن المجتمع يحصن نفسه من الأفكار الواردة إليه ويمترس خلف مفاهيمه الفكرية والثقافية، نجده يشرع الباب أمام ولوج التكنولوجيا دون أن يحاول تكييف المجتمع للاستخدام الأمثل لها. واليكم الأمثلة: دخلت السيارة الى هذه المجتمعات ووضعت القوانين لاستخدامها، ولكنّا لا زلنا نرى أسوأ استخدام لها على الطرق، والسبب يعود الى أن مفاهيم القيادة السليمة لم تتجذر في وعينا وعلاقاتنا، حيث يعود السبب الى التقصير في تطبيق القانون. أيضاً، انتشر استخدام الهواتف الخليوية والذكية، ألاّ اننا شوهنا استخدامها، فهي دائماً حاضرة وصوتها مسموع في المحاضرات والاجتماعات وقيادة السيارة وحتى اثناء الصلاة.

نحن أمام مشكلة تتمثل في دراسة التأثيرات الاجتماعية لانتشار وتطبيق التكنولوجيا الحديثة، ونزداد المشكلة صعوبة في سرعة انتشار التطبيقات المختلفة للتكنولوجيا في المجتمع.

لا توجد دراسات – حسب علمي – تتمحور حول تأثير استخدام التكنولوجيا الحديثة، وخاصة الرقمية، على حياتنا، وما هي الكلفة الاقتصادية التي ندفعها ثمناً لذلك.

لننظر في بعض الأمثلة. سابقاً، كنا عندما نذهب لشراء الخضار والفواكه، كنا والبائع نقوم بالحساب (ضرب وجمع ..الخ) بطريقة شفهية دون الحاجة حتى إلى ورقة وقلم، أما اليوم فلا يستطيع البائع أن يحسب المجموع دون استخدام آلة حاسبة، وبذلك فقدنا ملكة عقلية، استخدامها يفيد في تطوير ملكات أخرى. أما المثال الآخر، فهو الخط، حيث يندر أن تجد شاباً أو فتاة يجيدون الكتابة بخط واضح ومقرؤ، حيث يصدمك هذا الخط عند التعامل مع موظفي البنوك والشركات وأمثالهم، والحجة المستخدمة أنهم بستخدمون الكمبيوتر لإرسال الرسائل والمذكرات وغيرها.

إن سرعة التغيير التكنولوجي في الحياة وكم التطبيقات الجديدة الهائل في وسائل التعامل اليومي لم تترك لنا المجال للتفكير في دراسة تأثير هذا الاستخدام على البيئة الاجتماعية والثقافية لمجتمعنا، حيث تتراك هذه التأثيرات دون أن نستطيع تطويعها لتتلائم مع واقعنا.

لقد رصدت بعض الدراسات والتقارير الصادرة عن معاهد البحث في أوروبا وأمريكا، أن نسبة الاشخاص الذين يستخدمون الهاتف الذكي في بعض الدول الآسيوية والشرق الأوسط يفوق نسبتهم في أوروبا وأمريكا، ونفس الأمر نجده في سرعة الاندفاع نحو استهلاك الأطعمة المعدلة وراثياً في الدول الآسيوية مقارنة مع نظيرتها الاوروبية والامريكية؛ وفي المقابل نجد تباطوءاً في استخدام التلقيح ضد الأمراض في الدول الأفريقية، مقارنة مع انتشار الهواتف الذكية.

لقد أدى استخدام التكنولوجيا وتطبيقاتها في المجتمعات (وخاصة النامية) الى تغيرات كبيرة في اسلوب الحياة والتعامل. فالمجتمعات النامية هي مجتمعات متلقية للتكنولوجيا ولا تلعب أي دورٍ في التقدم العلمي والتطور التكنولوجي، فلا توجد أية قاعدة مادية متطورة لاحتضان الافكار الجديدة، والبنى التحتية للعلوم متخلفة (نقصد بالبنى التحتية مجموعة الوسائل المادية والفكرية اللازمة للبحث العلمي والتطور التكنولوجي).

من المفيد في هذا المجال أن نتذكر ما كتبه ألفن توفلر في كتابه “الموجة الثالثة” – لقد جلبت لنا الحضارة نمطاً عائلياً جديداً، وغيّرت طرق العمل، والحب والمعيشة، وظهر اقتصاد جديد نتج عنه مشاكل سياسية جديدة، وفي خلفية كل ذلك تبدل وعي الانسان.

لإن تشكيل المستقبل وتطويع البيئة لتقبل المنتجات الجديدة يعتمد على مدى قابلية العلاقات الاجتماعية لاحتضان التكنولوجيات الجديدة بحيث يتم استخدامها بشكل صحيح دون اللجوء الى تطويعها للاستخدام السلبي لها والذي يدفع الانسان كفرد والمجتمع كمجموع ثمناً لها.  

لا بد لعلماء الاجتماع من إجراء الدراسات الجادة والمبنية على الطرق الاحصائية في رصد التغيرات التي طرأت على البيئة الاجتماعية نتيجة لانتشار التطبيقات التكنولوجية الحديثة، وخاصة تأثيراتها على العائلة، تمهيداً لوضع الحلول المناسبة لاحتضان هذه التطبيقات بأقل الخسائر الممكنة.