واجهت البشرية على إمتداد تاريخها الطويل إنتشار أمراض وأوبئة عديدة، ولكن فيروس كورونا يعتبر الأول الذي عمّ إنتشاره الكرة الأرضية وحجر أكثر من 4.5 مليار شخص في منازلهم، والسبب هو أن العالم بفضل التكنولوجيا والعلوم أصبح مفتوحاً ومتصلاً مع بعضه البعض ومترابطاً في كل المستويات. إن الإنتصار على هذا الوباء هو جهد جماعي ويعتمد على مدى إنتشار الفيروس وفاعلية إجراءات الحجر والإغلاق ومدى سرعة تصنيع دواء وطرح لقاح لمقاومته. ورُغم أن الأولوية الآن هي للأمور الصحية الاّ أن تبعات هذا الوباء وخاصة الإقتصادية هي الهم الأكبر الذي سيواجه الدول كأحد تبعات إنتشاره.
الآثار الإقتصادية لوباء كورونا
أ.د. هاني عبيد
واجهت البشرية على إمتداد تاريخها الطويل إنتشار أمراض وأوبئة عديدة، ولكن فيروس كورونا يعتبر الأول الذي عمّ إنتشاره الكرة الأرضية وحجر أكثر من 4.5 مليار شخص في منازلهم، والسبب هو أن العالم بفضل التكنولوجيا والعلوم أصبح مفتوحاً ومتصلاً مع بعضه البعض ومترابطاً في كل المستويات. إن الإنتصار على هذا الوباء هو جهد جماعي ويعتمد على مدى إنتشار الفيروس وفاعلية إجراءات الحجر والإغلاق ومدى سرعة تصنيع دواء وطرح لقاح لمقاومته. ورُغم أن الأولوية الآن هي للأمور الصحية الاّ أن تبعات هذا الوباء وخاصة الإقتصادية هي الهم الأكبر الذي سيواجه الدول كأحد تبعات إنتشاره.
ويُشير الخبراء إن النتائج الإقتصادية لهذا الإغلاق الشامل للأنشطة الإقتصادية على مستوى العالم سيكون له تأثيراً مدمراً، وبالتأكيد ستفوق آثاره ما حدث أثناء الكساد العظيم أو الأزمة المالية في عام 2008 م.
إن النتيجة المؤكدة لهذا الوباء هو أن إقتصادات كل الدول ستعاني من ركود في عام 2020 قد يؤدي في بعض الدول إلى هزات إجتماعية وقلاقل سياسية وفي أسوأ الحالات إلى إضطرابات وعدم إستقرار. إن المشاكل التي ستعاني منها الدول الصناعية المتطورة (أمريكا وأوروبا واليابان) تختلف عن تلك التي ستعاني منها دول الإقتصادات الناشئة (الصين والهند وروسيا وغيرها) والدول الأقل تطوراً. فالدول الصناعية قادرة على ضخ الأموال اللازمة من بنوكها المركزية لتحريك عجلة الإقتصاد وتأمين شبكة حماية إجتماعية، وكذلك الأمر نسبياً بالنسبة لدول الإقتصادات الناشئة، ولكن المشكلة الكبرى هي ما ستواجهه الدول الأقل تطوراً (النامية والفقيرة).
لقد سارع صندوق النقد الدولي بتعديل أرقامه المتعلقة بنسب النمو لعام 2020 بعد تفشي الوباء ليدق ناقوس الخطر ويحذر الدول لإتخاذ الأجراءات التي تخفف من تأثير إنتشار الوباء على البنية الأقتصادية والملاءة المالية.
كانت أرقام البنك الدولي تشير سابقاً إلى أن نسبة النو العالمي لعام 2020 ستكون بحدود 5.8% وتم تعديل هذه النسبة بعد الوباء لتصبح سالب 3%، أي أن هناك ركوداً وتضخماً. لقد أصبحت أرقام النمو لمعظم الدول سالبة، ما عدا دول الإقتصادات الناشئة، ظلت موجبة (تقريباً 1%). إن نسبة النمو في العالم الغربي وأمريكا لعام 2020 ستصبح سالبة بمقدار 6.1%، وستتأثر إيطاليا أكثر من غيرها بحيث يصبح النمو الإقتصادي فيها سالباً بمقدار 9.1% وفي المانيا سالب 7%، أما الدول النامية والفقيرة فستكون نسبة النمو 0.4%. إن نسبة الخسارة الكلية في الناتج القومي الإجمالي العالمي في عامي 2010 و 2021 سيبلغ 9 تريليون دولاراً أمريكياً، أي أكثر من مجموع الناتج القومي الأجمالي لكل من ألمانيا واليابان (بلغ الناتج القومي الأجمالي لليابان 4971.8 مليون دولار ولإلمانيا 3846.6 مليون دولار وذلك لعام 2018 م).
أما توقعات نسب النمو لعام 2021 فقد جاءت متفائلة، وبُنيت على فرضيات تتمثل في إنحسار الوباء في النصف الثاني من عام 2020 وإن الإجراءات التي تتخذها الدول ستكون فعّالة في دعم قطاعات الإقتصاد والحد من البطالة، علماً أن البيئة العامة يشوبها عدم اليقين بالنسبة لإحتواء هذا الفيروس. فقد قدّر الصندوق نسبة النمو الإقتصادي في العالم لعام 2021 بناءً على الفرضيات السابقة ما مقداره 5.8% ، وبنسبة 4.5% للعالم الغربي وأمريكا، أما دول الإقتصادات الناشئة فقدِرت النسبة بحوالي 8.5% والدول الأقل تطوراً بنسبة 5.6%. توقعات النمو لعام 2021 كانت الأعلى في الصين حيث قدرها البنك بنسبة 9.2% بينما في المانيا 5.2% وفي ايطاليا 4.8%، أي أن توقعات النمو لعام 20121 جاءت متفائلة. ومقارنة نسبة النمو المتوقعة عان 2021 مع نسبة النمو عام 2019 نجد أن هذه النسبة قد تضاعفت وفي بعض الدول جاءت توقعات البنك متفائلة جداً. فمثلاً، كانت نسبة النمو لدول أمريكا اللاتينية والكاريبي في عام 2019 تساوي 0.1% وارتفعت إلى حوالي 3.4% لعام 2021 حسب توقعات البنك.
تستطيع الدول الصناعية ودول الإقتصادات الناشئة أن تتعامل مع التبعات الإقتصادية لهذا الوباء كون بنوكها المركزية قادرة على ضخ الأموال ودعم القطاعات الصناعية المختلفة كما فعلت في أزمات سابقة، ولكن العبء الثقيل سيكون من نصيب الدول الأقل تطوراً، حيث أن إقتصادها هش، وبنيتها الصناعية ضعيفة ولديها مستويات مرتفعة للبطالة وتنؤ تحت وطأة ديون مرتفعة، إضافة إلى العوامل المذكورة، ومما يزيد الطين بلة انتشار الفساد والمحسوبية وغياب الشفافية عن القرارات الحكومية وتغييب الكفاءات الوطنية عن مراكز القرار مما أدى إلى وجود فجوة ثقة بين شعوب تلك الدول والأنظمة الحاكمة فيها.
ستعاني القطاعات الإقتصادية المختلفة من وباء كورونا. فنتيجة لسياسات إغلاق الحدود التي إتخذتها معظم الدول فإن قطاع الطيران والنقل والترانزيت سيكون من القطاعات المتضررة، إضافة إلى نضوب تدفق العملة الصعبة المتأتية من الدخل السياحي. كذلك، فإن سياسة الإغلاق الداخلي للمرافق وحجر الناس في المنازل قد أدت إلى توقف عجلة الإقتصاد وبالتالي فإن كثيراً من المنشآت الصغيرة والمتوسطة قد توقفت وعجزت عن دفع رواتب عمالها، إضافة إلى إنقطاع مصدر دخل عمال المياومة والحرفيين والمهنيين الذين يمارسون أعمالاً حرة (سائقي التكسي والحلاقيين والخياطيين والهربائيين …الخ)، وهذا كله يؤدي إلى إرتفاع البطالة وخاصة بين فئة الشباب (حيث أن فئة الشباب تشكل نسبة كبيرة من السكان بعكس الدول الصناعية حيث يُشكلُ المتقاعدون نسبة لا بأس بها من السكان).
ستلجأ معظم الدول الأقل تطوراً إلى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي طلباً للمساعدة وتصميم برامج لتعافي الإقتصاد والإيفاء بالألتزامات الدولية وخدمة الديون، وحيث أن هاتين المؤسستين تعتمدان سياسة مدرسة شيكاغو والذي يعتبر ميلتون فريدمان مرشدها الكبير (صاحب نظرية الرأسمالية غير المقيدة) والرجل الذي يعود إليه الفضل في وضع نظام الإقتصاد العالمي المعاصر السريع العجلة، فإن النصائح والبرامج التي ستُقترح لهذه الدول ستكون في إطار هذه السياسة.
إن محور هذه البرامج سيكون في إطار إعتماد مبدأ الخصخصة (بيع مقدرات الدولة) والحد قدر الإمكان من دور الدولة وتدخلها في الحياة الإقتصادية والتخلي تدريجياً عن برامج الرعاية الإجتماعية، وهذا هو ثالوثهم الإقتصادي الذي يؤمنون به.
إن أنصار هذه المدرسة في الإقتصاد يؤمنون بضرورة إستغلال الأزمات والكوارث لتمرير سياساتهم المتعلقة بنظرهم بالإصلاح، ويسمون ذلك المعالجة بالصدمة (أنظر كتاب نعومي كلاين – العلاج بالصدمة).
على الدول الأقل تطوراً أن تدرك الدروس المستفادة من هذه الأزمة قبل إعتماد الحلول لمعالجتها، وأول هذه الدروس أن سياسة الإغلاق قد بينت أنه يمكن الأستغناء عن كثير من السلع والتي ثبت أنها كمالية للغالبية العظمى من السكان وبالتالي تخفيض المستوردات ووقف نزيف تسرب العملة الصعبة للخارج. أما الصناعات المحلية والتي تسد جزءاً من حاجات الناس فيجب تشجيعها ودعمها مع زيادة الرقابة عليها لضمان جودتها وعدم إرتفاع أسعارها بحيث يقتنع المواطن بمساواتها وأحياناً أفضليتها عن السلع الأجنبية وقابليتها للمنافسة والتصدير للآسواق المجاورة.
ومن الأمور المهمة في هذا المجال ضرورة بدء محادثات إقتصادية مع الدول المجاورة ودراسة الأصناف التي تُصنع في كل دولة بحيث يتم تلافي التصنيع المتماثل ليفسح المجال أمام تبادل السلع المختلفة بين البلدان المتجاورة على أساس المقايضة والمقاصة دون اللجؤ إلى الدفع بالعملة الصعبة.
لقد بيّنت هذه الأزمة أن الدول التي فيها بُنية تحتية متطورة وإنتشار واسع لتكنولوجيا المعلومات وشبكات الإنترنت والتطبيقات الذكية قد إستطاعت التخفيف من آثار الإغلاق باللجؤ إلى إنجاز العمل عن بعد واستخدام تقنيات التعليم بواسطة الإنترنت، لذلك، لا بد من تقييم هذه التجربة وإجراء التغيرات المطلوبة في التشريعات لقوننة مبادئ العمل من المنزل والدراسة عن بُعد وإعتماد الشهادات بهذه الطريقة.
إن الدروس المستفادة من هذه الأزمة قد بينّت ضرورة تعزيز الديمقراطية والشفافية ومحاربة الفساد والرشوة وإستغلال الوظيفة الحكومية والتطبيق الحازم لحقوق الأنسان مما يُعزز المواطنية والإنتماء.
